قصة يوم التأسيس

مقال نشر في مجلة اليمامة  24/02/2022
http://www.alyamamahonline.com/ItemDetails.aspx?articleId=10423



المقال - د. سعد بن إبراهيم العريفيأقيم في حجر اليمامة سوق شهير سمي: سوق حجر اليمامة، وكان هذا السوق -الذي يقام في العاشر من محرم كل سنة- عامرٌ بالمنتجات التي تجلب له من كل ناحية، وتصدّر منه منتجات اليمامة الشهيرة مثل: الحنطة والتمر، كما كان في هذا السوق مجالس أدبية عديدة، من أبرزها مجلس الشاعر الشهير: جرير.
تقلّبت اليمامة بعد هذا الزهو في أطوار عديدة، عانت خلالها من قسوة الولاة في العصور الإسلامية المتأخرة، ومن الفتن والقلاقل التي أثارتها الحكومات المحلية، وتنافس القبائل المتطلعة للزعامة. حتى قيّض الله لوسط الجزيرة العربية مانع بن ربيعة المريدي، الذي عاد لموطن آبائه في وسط الجزيرة العربية، وأقام إمارة الدرعية عام ٨٥٠هـ/ ١٤٤٦م، وبدأت الدرعية حينها في تنشيط الحركة الاقتصادية، وإدارة طرق قوافل الحج والتجارة؛ فدبت الحياة في نجد، وبدأت تظهر بوادر الأمن الذي فقد منها لفترة طويلة.
تعاقب على حكم الدرعية بنو مانع المريدي وأحفاده، وأقاموا العدل والأمن والرخاء في الدرعية، حتى بدت مقصداً للكثير من أمراء قوافل الحج والتجارة؛ ليأمنوا من خلال المرور بالدرعية، ويسلموا من سطوة قطاع الطرق، وقد أشارت إحدى الوثائق عام 981هـ/ 1573م عن دور إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي المؤثر في تأمين الطرق آنذاك.
لم تكن حالة الإمارة على هذا الحال دوماً، فقد كان النزاع بين أبناء العم، والقوى المحيطة موجوداً، حتى أصبحت في الدرعية –بسبب ذلك- إمارتان، وكانت الحالة الأمنية متوترة، وفي هذا الجو ولد المؤسس الإمام محمد بن سعود عام 1697م.
عُرف عن الإمام محمد بن سعود حكمته، وحسن علاقته مع الأهالي، وحسن إدراكه في تعامله مع الآخرين، ورؤيته الحكيمة لمستقبل البلاد. كما عُرف بحسن الخلق، والاستماع إلى الآراء، والوفاء للغير، ونصرة المظلوم.
كان للمؤسس الإمام محمد بن سعود مشاركات حربية إبان إمارة والده، منها حينما ساهم في الدفاع عن الدرعية عندما غزاها سعدون بن محمد زعيم بني خالد عام 1133هـ / 1721م واستطاعت قوات الدرعية الصمود أمام الجيش الخالدي.
بعد وفاة والده الأمير سعود بن محمد بن مقرن 1137هـ/ 1725م بدأت الخلافات تدب في أركان الدرعية، وبدأت الإمارات المحيطة تغذي هذا الخلاف، وكان الإمام محمد بن سعود يراقب ويشارك في هذه المماحكات السياسية بحكمة وتؤدة ولباقة، حتى صقلت هذه الإرهاصات السياسية والاجتماعية شخصية الإمام محمد بن سعود، وفكّر في أن يعيد الأمن إلى وسط الجزيرة العربية بمنهج مغاير.
بعد حصول فراغ سياسي في الدرعية إبان النزاعات الداخلية أصبحت الإمارة مهيئةً لأن يقيم عليها الإمام محمد بن سعود دولته، فمنذ منتصف العام 1139هـ/ ١٧٢٧م الذي يوافق ٣٠ جمادى الآخرة/ ٢٢ فبراير اعتلى سدة الحكم في الدرعية، وبدأ الإمام محمد يدير دولته التي حملت عدة مبادئ من أهمها حفظ الأمن والسلام، ونشر العلم والمعرفة، وترسيخ القيم الإسلامية، بالإضافة إلى رعاية الحقوق، والسياسة الحكيمة، لذا برزت للإمام محمد عدة أعمال تدل على جهوده الكبيرة لتأسيس الدولة منذ تسنمها، منها:
*توحيد أحياء الدرعية ضمن إدارة واحدة، فأصبحت غصيبة والمليبيد تحت حكم إمام واحد.
*بناء سور محيط بالدرعية؛ لصد الهجمات التي تستهدف الدرعية من القوى المحيطة.
*الاهتمام بحفظ سيادة الدولة الداخلية والخارجية؛ حيث كان حريصاً على فرض سلطة الإمام وعدم تجاوزها، وكان كذلك لا يقبل بالتدخلات الخارجية ضمن حدود دولته.
*ضبط الأمن الإقليمي في البلدان المجاورة، منها حينما شارك في إعادة دهام بن دواس لإمارة الرياض عام ١١٥١هـ/ ١٧٣٨م.
*الاستقلال التام عن تأثير القوى الكبرى المهيمنة على الكثير من الإمارات النجدية.
*توحيد معظم منطقة نجد تحت حكمه.
*تأمين طرق الحج والتجارة المتصلة بمنطقة نجد.
*ضبط الموارد المالية الداخلية للدولة.
*ازدهار الحياة العلمية في الدرعية.
هذه قصة يوم التأسيس، اليوم الذي آمن فيه الإمام محمد بن سعود بأهمية إقامة الدولة التي تقوم على أسس وركائز متينة، مصدرها كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ووقودها مواطنيه من رجال ونساء، سطّروا أروع التضحيات من أجل هذا الوطن، لذا يحق لنا أن نفخر بهذا المكتسب الوطني الهام، وأن تروى قصة يوم التأسيس للأجيال تلو الأجيال.
إن للبعد التاريخي للأسرة المالكة (آل سعود) دور في قيام الدولة السعودية الأولى، فقد سكنت قبيلة بنو حنيفة «القبيلة التي ينتمي لها أفراد (آل سعود)» في اليمامة قرابة العام ٤٠٠م، بقيادة عبيد بن ثعلبة، وأقامت حضارة حجر اليمامة، التي ازدهرت وأثّرت على كثير من أقاليم الجزيرة العربية، ومن يلحظ دور الصحابي ثمامة بن أثال لاحقاً حين فرض المقاطعة الاقتصادية على مكة المكرمة عَلِم لما لليمامة من دور مؤثر في الجزيرة العربية.
* باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شاركني بتعليقك

مراجعة علمية: أحداث واقعية في سيرة آل عطية العائلة النجدية في مسيرتهم من الدرعية إلى الشواطئ القطرية

مراجعة علمية: أحداث واقعية في سيرة آل عطية العائلة النجدية في مسيرتهم من الدرعية إلى الشواطئ القطرية" للباحث فواز بن أحمد بن حمد آل عطي...